نحو ترشيد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

ما رأيكم في الاحتفال بالمولد النبوي حسب ما هو شائع بين المسلمين؟ وماذا تقترحون لإصلاح هذا الاحتفال؟.

الجواب:

أرى من الخير أن نتفق أولا على المعنى المراد من كلمة " الاحتفال بالمولد " فإن كان المراد من هذا الاحتفال يتضمن معنى الاعتقاد بخصوصية لهذه الليلة، أو ربط بينها وبين أي لون من ألوان التعبد، قولاً كان أو حركة أو عملا، فنحن يجب أن نتفق على أن هذا ليس من الدين أو الإٍسلام في شيء، لأنه لم يرد في قرآن ولا في سنّة ربط ليلة المولد النبوي بشيء يتعلق بالعبادة القوليّة أو الفعلية. أما كان المراد بالاحتفال انتهاز مناسبة ذكرى عاطرة طيبة، لإثارة ذهن الإنسان وقلبه، بكريم المعاني والمثل والأخلاق، واستعراض صفحات التاريخ المجيدة التي تمثّلت في حَياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتهاز الفرصة عند ثوران هذه الذكريات، لكي نردد ما أُثر عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ من سنة ومن هدى، ونتذاكر ما جاء به هذا الرسول، من كتاب ربه ودين خالقه، وما دعا إليه من هدى الإسلام وأحكامه، فأرى أن هذا عمل طيِّب، وينبغي أن نحرِص عليه، لا على أنه جزء من العبادة، أو حكم من أحكام الدين، أو أمر من أمور الاعتقاد، بل على أنه انتِهاز للمناسبات الكريمة والأوقات الطيِّبة، لنربط بينها وبين ترديد تعاليم الدين وقواعده ومبادئه، فتتقبل النفوس هذا الزاد بيقظة ونشاط .

والمجتمعات المعاصرة تتفنَّن في تخصيص أيام للجيش، وللسلام، ولمحاربة الفقر، ولكذا وكذا، وأعتقد أننا إذا لم نُحْىِ لنا أيامًا لنا نسمِّيها " أيام الإسلام "، فنتيجة هذا أن الأيام المصطنعة المعاصرة ستغمرنا بقيمها المادية، ومعانيها الجنسية أو العنصرية أو الطائفية، وتلفتنا عن تذكرنا لأيام الإسلام. ولو أخذنا بالنظرية التي تنادي بأننا لا نحتفل بهذه الأيام لأنها ليست من الدين، لقضينا على ذكريات كثيرة نحن نجني من ورائها خيرًا كثيرًا، لأننا ننتهزها فرصًا للحديث عن الإسلام وأحكام الإسلام، كيوم الهجرة، ويوم غزوة بدر، ويوم فتح مكة، ويوم الإسراء، وليالي رمضان، وغير ذلك من الليالي والأيام الإسلامية. وألاحظ هنا ملاحظة لها قيمتها، ولعلها تدنينا من الطريقة المثلى للاحتفال بالمولد، وهذه الملاحظة هي أن الليلة التي ولد فيها الرسول ـ صلّى الله عليه وسلم ـ لم تتعيّن باتفاق أو يقين، فالمشهور عند المسلمين أنها الليلة الثانية عشرة من ربيع الأول، ولكن هناك أقوالاً وآراء أخرى، تذهب إلى تحديد ليالٍ سواها، فهناك من يقول إنه ولد في السابع من ربيع الأول، وفي رواية أنه وُلد في التاسع منه، وفي رواية أنه ولد في العاشر، وهناك روايات أخرى كثيرة غير هذه الروايات، منها الضعيف ومنها الشاذ. وبالرجوع إلى كتاب " نتائج الأفهام، في تقويم العرب قبل الإسلام، وفي تحقيق مولد النبي وعمره عليه الصلاة والسلام "، وهو الكتاب الذي ألفه المحقِّق المرحوم محمود باشا

الفلكي باللغة الفرنسيّة، وترجمه إلى اللغة العربية المرحوم أحمد زكي وطبع في المطبعة الأميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1305هـ، وكان أحمد زكي في ذلك الوقت مترجمًا لمحافظة الإسماعيليّة، وأصبح بعد ذلك شيخ العروبة المشهور أحمد زكي باشا؛ أقول إنه بالرجوع إلى هذا الكتاب نجد أن محمود باشا الفلكي يورد هذه الأقوال كلها، ثم ينتهي إلى أن التحقيق التاريخي والفلكي والعلمي يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام ولد في !ليوم التاسع

من شهر ربيع الأول، ثم يختتم الموضوع بقوله:" ويتلخص من هذا أن سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولد يوم الاثنين 9 ربيع الأول الموافق 20 إبريل 571 مسيحيّة، فاحرص على هذا التحقيق، ولا تكن أسير التّقليد ".

أنا لا أذكر هذا لأنضمّ إلى محمود باشا الفلكي في رأيه أو لأعارضه، وإنّما أحب أن ألاحظ أن الاختلاف في الليلة التي ولد فيها الرسول عليه الصلاة والسلام يُفيدنا في أننا لا نربط احتفالنا بليلة معينة، حتى لا توجد شبهة إحياء لهذه الليلة بمعنى اعتقادي أو عبادي. ومن هنا يقول كثيرون من الدعاة المتفتحين إن شهر ربيع الأول كلّه شهر مولد، إذا بدأ الشهر يبدؤون الاحتفالات بذكرى مولد الرسول، ويتحدثون عن شخصية الرسول وتاريخ الرسول وعن أيام الرسول في أول يوم وثاني يوم من الشهر، وهكذا إلى اليوم الثاني عشر، وقد يستمرون إلى آخر الشهر. فنحن إذن لا نحيي ليلة بعينها لأنها مجرّد ليلة، وإننا ننتهز مناسبة اليوم أو الشهر الذي ولد فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، لكي نستعيد أحداث حياته، ونستعرض صفحات جهاده، ودعوته عليه الصلاة والسلام.

أمّا الملاحظ في الاحتفال بمولد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ خلال عصور التاريخ فهو انه قد تردد غالبًا بين مذمّتين: مَذمّة الإسراف ومذمّة الانحراف، وقد سمعنا عن آلاف الجنيهات الضّخمة التي كانت تبذل للاحتفال بالمولد، وعن المظاهر التي كانت تعمل، وأغلبها لا يتصل بأصل الدين ولا مبادئه ولا منفعة أهله. فهذه الحفلات المسرفة في مولد الرسول عليه الصلاة والسلام لا نستريح إليها، ولا نريد استعادتها. وأغلب الظن عندي أن الذين قاموا

بالاحتفال بالمولد على هذه الصورة المسرفة لم يكونوا مخلصين للدعوة الإسلامية ومبادئها، بقدر إخلاصهم لنزعات مذهبية أو طائفية أو سياسية، كانت تحركهم إلى هذه الأعمال في أغلب الأحيان.

وبعد هذا الإسراف انقطع الاحتفال بالمولد النبوي في بعض الأوقات، ثم عاد على أيدي العامّة، واتخذوا مناسبته فرصة لارتكاب الشرور والمفاسد والآَثام والمنكرات، وهذا هو المظهر الثاني من مظاهر الاعْتساف في الاحتفال بالمولد، وهو مظهر الانحراف.

وأخيرًا أرادت المجتمعات المعاصرة أن تجدِّد في الاحتفال بالمولد، واحتجُّوا لذلك بكثرة المنكرات الموجودة فيه، وأن فيه اختلاطًا شائنًا وتبرُّجًا فاضِحًا، وفيه تناول للمخدرات وإشاعة للإثم، وفي غير ذلك، وقالوا: يجب أن نجدِّد فيه. ولكن التجديد الذي تَمَّ كان أغلبه على حساب ما نريد التمسُّك به من القيم الدينيّة والمبادئ الإسلامية.

فإذا كان الاحتفال بالمولد قد شهِد عهودًا أسرفَ فيها المسرِفون، ثم شهد عهودًا أخرى انحرف فيها المنحرفون، فإني أخشى أن تكون قدْ أسرفنا أيضًا في التجديد، فباعَدنا بين أنفسنا وبين ما نريده من الاحتفال الكريم السليم بالمولد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، في نِطاق الشريعة وحدود الدين.

وبعد هذا يأتي السؤال المنتظر: ماذا ينبغي أن نفعل للاحتفال بالمولد النبوي ؟. وأذكر أن المرحوم السيد محمد رشيد رضا دُعي إلى إنشاء مقالة أو بحث في موضوع المولد النبوي، يقال أو يتلَى في احتفال يقيمه المسلمون في الهند، فكتب سنة 1350 هـ موضوعًا سمّاه " خلاصة السيرة المحمدية "، وركّز في هذه الخلاصة سِيرةَ النبي عليه الصلاة والسلام.

وفي ربيع العام التالي، أي سنة 1351هـ كتب كتابه المعروف وهو " نداء الجنس اللطيف " عن حقوق المرأة في الإسلام. وفي سنة 1352هـ كتب كتابه المشهور " الوحي المحمدي ". وفي سنة 1353هـ كتب مقالاً عنوانه "يوم محمد " ونشره في مجلة " المنار ". وكان هذا كله برجاء من مسلمي الهند الذين يحتفلون بهذا اليوم. وكان السيد رشيد ـ رحمه الله ـ قد كتب قبل ذلك في سنة 1916 كتابًا سماه " قصة المولد النبويّ المختار "، وكان شيخ مشايخ الصوفية في ذلك الوقت هو السيد محمد توفيق البكري، فأحل ما كتبه الشيخ رشيد محلَّ القصص القديمة التي كانت تُردَّد في ليلة المولد، وفيها الكثير من الأساطير التي لا تتفق وحقائق السيرة النبوية الصحيحة. وقد نشر الشيخ رشيد هذه القصة في " المنار " ثم طبعها مستقلة.

نأخذ من هذا أنه يحسن أن ننتهز فرصة المولد النبوي لكي نواصلَ التعريف بالسيرة النبوية، ونجدد الدعوة إلى المبادئ الإسلاميّة والأحكام الشرعيّة. ونحن مُحتاجون إلى هذا أقوى احتياج في مجتمعنا المعاصر؛ لأن العامة تغمُرُها الآن بِحار كثيرة من الثقافة الطارئة أو البعيدة عن الفكر الديني، فبجوار هذا الطُّوفان من ألوان الثقافات الماديّة والاجتماعية والفنيّة، يجب أن يكون هناك رصيدٌ كافٍ مستمرٌّ من ينابيع الثقافة الإسلاميّة، والمجال يتسع لمدِّ الناس بهذا المدَد في أمثال هذه المناسبات: في يوم الهجرة، أو يوم المولد، أو ذكرى بدر، أو ذكرى فتح مكة، أو ليلة النصف، أو ليلة الإسراء، أو ليلتي العيدين، أو ليلة القدر ... إلخ.

ثم أقترح أيضًا فيما يتعلّق بالاحتفال بالمولد أن نجعل أول درس يتلقّاه التلاميذ والطلاب عند مرور هذه الذكرى، عن شخصية الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وأن نعمم ذلك في جميع مراحل التعليم، من أول صف في الدراسة الابتدائية إلى آخر مرحلة في الدراسة الجامعية. وذلك بجوار الكتابة عن تاريخ الرسول ودعوته في الصحف والمجلات، وإلقاء المحاضرات وعقد الندوات، وجعل "يوم المولد" مناسبة لمؤتمرات إسلاميّة. وتوزيع جوائز

لمباريات في التأليف عن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام. وتاريخ النبي الأميّ الأمين تبرز فيه ناحية مُهمة يمكن أن نُحسنَ استخدامها في مناسبة ذكرى المولد النبوي . وهِي أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يتيمًا، فَقَدَ أباه وهو حَمْل، وفقد أمَّه وهو طِفل، ومع ذلك استطاع هذا اليتيم أن يكون أعظمَ مُصلح في الوجود، بفضل ربه تبارَك وتعالى، وأن يرد إلى الدنيا رشدَها وعقلَها واستواءها على الطريق، فليتنا ننتهز فرصة ذكرى المولد النبوي لنفتح فيها كل عام منشآت تنهض لخدمة اليَتامى في المجتمع ومن في حكمهم من الضعفاء والقاصرين.

يجب أن ننتهز فرصة ذكرى المولد فنخصص فيها عناية ملحوظة باليتامى الموجودين في المجتمع الإسلامي، لا بالعطف عليهم أو الإحسان إليهم فقط، بل يجب أن نؤديَ إلى هؤلاء اليتامى جميعَ حقوقهم التي جاء بها الإسلام، فضلاً عن أن يزادَ عليها ما يستطيعه المجتمع المعاصر.

ومن الممكن أيضًا في مناسبة ذكرى المولد - حتى يكون الاحتفال به سليمًا وقويمًا - أن نعرض شخصية محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما صوّرها القرآن الكريم، فنحن حتى اليوم لم يتفرغ منا كاتب ليفصل الحديث عن محمد عليه الصلاة والسلام كما صَوَّره القرآن الكريم، وهذا الحديث يصلح أن يكون مادة عظيمة من مواد ذكرى المولد النبوي، ويكون لها قيمة كبيرة ومكانة عظيمة في التعريف بالإسلام وبنبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، لو أنَّنا عرَضناها على وجهِها بتفصيلٍ واستيعاب.

وأخيرًا تأتي " قصة المولد "، فقصة المولد كانت أولاً مجموعة من الأساطير، مع القليل من الحقائق التاريخيّة المتعلقة بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنذ حين ثارَ بعض الناس على هذه القصة، وحاولوا أن يغيِّروها فانتهى الأمر بأن كتب المرحوم الشيخ عبد الله عفيفي قصة " المولد النبوي المختار ". وإذا كنا قد شكَونا مرَّ الشكوى من الخُرافات التي أضيفت إلى

حقائق السيرة في القصّة الأولى، فإن قصة المرحوم عبد الله عفيفي غلَبت فيها مَتانة الأسلوب ودقّة البيان على الحقائق، وعلى العبارة السهلة الميسرة التي تقدم لعامة المسلمين مبادئ دينهم ليسهل عليهم فهمها وهضمها والاهتداء بها. فلو أن عالمًا من المسلمين أو جماعة من العلماء تفرّغوا لصياغة " قصة مولد " تعتمد على الحقائق التاريخيّة في السيرة النبويّة، وتعتمد على التيسير والوضوح في العبارة، وتعتمد على الحَلاوة في الأسلوب، لكان هذا مِعْوانًا على تحسين الصورة التي نحتفل بها في ذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام.

وخُلاصة ما أقول: إن استغلال ذكرى يوم المولد في عرض سيرة الرسول ومبادئ الإسلام أمر يَحسن ألاّ نُفرِّطَ فيه، وألا نُقَصِّرَ في أدائه على الوجه المطلوب. أما الاحتفال بالمولد أو إحياء ليلة المولد على أنّها شيء من أحكام الإسلام، فذلك شيء لم يرِد فيه نص من قرآن أو حديث، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

والله تبارك وتعالى أعلم.


التعليقات