ذكرى المولد .... ومقاييس الحب الصادق

 كيف يُحتَفَل بذِكْرَى مولِد الرسول، صلى الله عليه وسلم؟

إن المسلمين كأفراد يجب أن يُراجِع كلُّ واحد منهم نفسه بحلول هذه المناسبة الكريمة في كل عام: عمّا حقَّقه في حياته الخاصة من مبادئ الإسلام.

1ـ هل أثمرت عبادتُه لله وحده في توجيه نفسه؟ فأصبح هو وحده وَحْدة لا انقسام فيها بين هوًى وشهوة من جانب وعقل وقلب من جانب آخر. هل تجاوز في سلوكه الآن الصراع الداخلي بين القوة الدافعة إلى التردِّي في مجال الغرائز الحيوانيّة والقوة الأخرى العاملة على تحقيق المستوى الإنساني الفاضل فيه. بتحكيم إيمان قلبه ومنطق عقله؟

إن تقرير الإسلام لوحدة الألوهية في الخالق ودعوته الإنسان إلى عبادته يستهدف حملة على الخروج من مرحلة التمزُّق والانفصالية التي تتشبَّث بها أنانية الذات والتي تصل بالإنسان الفرد ـ إذا لم يخرج منها ـ إلى الطغيان أو الضياع.. الطغيان على النفس ذاتها قبل غيرها، والضياع للنفس أولاً قبل ضياع أي نفس أخرى.

والخروج من مرحله التمزُّق والانفصالية في حياة النفس الفردية لا يتم إطلاقًا إلا بسيادة العقل على شهوة البَدَن. ولن تَتِمَّ السيادة للعقل إلا بإيمان القلب الذي يعزِّز منطِقه ويرجِّح جانبه. وإيمان القلب هو رسالة الإسلام.

2ـ هل يسأل الفرد المسلم نفسَه ـ أيضًاـ في ذكرى مولد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمّا أتتْ به صلاته كل يوم وأتى به صومه لشهر رمضان وأتى به حَجُّه إن أدَّى فريضة الحَجِّ؟

هل صَفَتْ نفسُه وأقرَّت إقرارًا كاملاً بوجود غيره معه وبوجوب مشاركته له في متع الدنيا، فلا تزاحم عليها ولا تخاصُم بشأنها ولا تنابُذ من أجلها وإنَّما هي المودّة والتعاون والإخاء في العيش والحياة؟

3ـ هل يسأل الفرد المسلم نفسه كذلك في ذكرى مولد الرسول الكريم صلوات الله عليه عن مدى قيامه بمسؤوليته إزاء نفسه وإزاء أسرته وإزاء أمته على نحو ما يُحكى عن رسول الله من قولٍ: "كلُّكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته"؟ .

إن الإسلام ينظر إلى الفرد المسلم على أنه ذات لها كِيانها الخاصُّ وليس جزءًا في الكُلِّ. ولذا يحمل من المسؤولية بقدْر ما له من استعداد وقُدرات وتتسع هذه المسؤولية فتتجاوز نفسه إلى غيره في أمته.

ومسؤولية الفرد ليست اعترافًا منه بها لذاته، وإنما هي عمل خالص منه ومستمِرٌّ لوجه الله. ووجه الله هو خير الفرد والأسرة والأمّة.

وبمراجعة الفرد نفسه على النحو من هذا يعرف مكانَه في الحياة الإسلامية ويعرف قُرْبَه أو بُعده من حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويعرف بالتالي مدى تقديره لهذه الذكرى الكريم.

وبمساءلة أفراد المسلمين أنفسهم في ذكرى هذه المناسبة الخالدة وبمراجعتهم أسلوب حياتهم في ضوء تأثُّرهم بالمبادئ الإسلامية وترجمتها لهذه المبادئ تكون الأمة الإسلامية على علم أو شعور بصاحب هذه الذكرى صلوات الله وسلامه عليه. فإذا لم تكن قد أفادت مرة أو مرّات بمرور هذه الذكرى في أسلوب الحياة وفى الترابط والتماسك بين أفرادها فإن هذا العلم أو الشعور كَفيل ـ إذا تكرر ـ بتوجيه النفوس نحو الرغبة الصادقة في الانتفاع بذكرى مولد الرسول الكريم في حياة الأفراد وحياة الأمة جميعًا فتكون حياة إسلامية أصلية لا إلى اليمين ولا إلى اليسار.

أما الاحتفالات التقليدية فهي ترديد لصور ومظاهر، قلَّما تحمل القلوب والنفوس والعقول إلى النظر في واقع الأمر، وما يجري فيه وصلة ذلك وما تتطلبه رسالة الإسلام وما حقَّقه الرسول الكريم ـ عليه صلوات الله ـ في حياته وحياة أمته مما أوحى إليه الله جلّ جلاله.

وتدل هذه الاحتفالات التقليدية من جانب آخر على مدى الانصراف عن الإسلام، والحنان فقط إلى استعادة ذكرياته التاريخية


التعليقات