ثورات أهل الحديث ... الحلقة الثانية

ثورات الصحابة
وقد بلغت مواقفُ الصحابة المعارضة للسلطة غايتَها بحادثة خروجُ الحسين بن عليّ –وهو صحابي جليل وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم- على يزيد بن معاوية سنة 61هـ، ثم ثورة الصحابيّ سليمان بن صُرَد الخزاعي -وله أحاديثُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم- الذي قاد "جيش التوابين" من العراق لمقاومة ظلم بني أمية سنة 64هـ، وبلغ عدد قواته أربعة آلاف مقاتل.

وكذلك مجابهة الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بن العوام (ت 73هـ) لعبد الملك بن مروان (ت 86هـ) وواليه الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ)؛ وغيرها من الأحداث والثورات العظيمة التي أخذت اهتمامًا كبيرًا من المؤرّخين والباحثين.

على أن كبرى الثورات الساعية لتغيير الحكم بالقوة في عهد الصحابة كانت ثورة أهل المدينة –وهي عاصمة أهل الحديث- سنة 63هـ على يزيد بن معاوية، الذي قال عنه الإمام الذهبي: "وخرج عليه غير واحد -بعد الحسين- كأهل المدينة قاموا لله".
وتسمى هذه الثورة "ثورة الحَرَّة" وكانت بقيادة كل من عبد الله بن مطيع العدوي أميرا على المهاجرين، وعبد الله بن حنظلة الأنصاري أميرا على الأنصار، وذلك بعد أن شهد وفد منهم برئاسة ابن مطيع على يزيد بأنه "يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب" (‘البداية والنهاية‘ لابن كثير ت 774هـ).

وهكذا خلع أهل المدينة بيعة يزيد وبايعوا عبد الله بن مطيع عند منبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجعل مسجدَه مقرّه، وخرج معه أكثر أهل المدينة لقتال جيش يزيد القادم من الشام؛ فقد نقل ابن كثير عن الإمام ابن شهاب الزهري (ت 124هـ) أنه سُئل عن عدد "القتلى يوم الحرة ]فـ[قال: سبعمئة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حُرّ وعبْد وغيرهم عشرة آلاف".
*وبسبب فظائع وقعة الحرّة ساءت علاقة محدّث المدينة وإمامها سعيد بن المسيّب (ت 94هـ) ببني أميّة، وكانت له مواقف شجاعة في انتقاد حكمهم دفع ثمنها ضربًا حتى قارب الموت.

وكان من محدّثي مشاهير قادة ثورة أهل المدينة الذين قتلوا في أحداثها: معقل بن سنان الأشجعي الذي قال عنه الذهبي: "له صحبة ورواية، حمل لواء أشجع يوم الفتح...، وفد على يزيد ]بن معاوية[ فرأى منه أمورا منكرة، فسار إلى المدينة وخلع يزيد وكان من كبار أهل الحرة".

ومنهم عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري الذي ذكر الإمام أبو نعيم الأصبهاني (ت 430هـ) أنه "شهد بدرا"، وأفاد الذهبي بأنه "صاحب حديث الوضوء". وكذلك مسروق بن الأجدع الهمداني الذي ترجم له ابن سعد (ت 230هـ) في كتابه ‘الطبقات‘، وقال إن "له أحاديث صالحة"، ووصفه الذهبي بـ"الإمام القدوة العلَم".

ثورة القرّاء
أما زمن التابعين فهو زمنُ المحدّثين الثوار بلا منازع؛ فقد كانت فيه ثورة أهل الحديث الكُبرى التي عُرفت بـ"ثورة القـُـــرّاء"، ومصطلح "القراء" حينها كان يطلق على علماء الشرع مطلقا، إذ لم تكن تخصصات الفقه والإقراء والتحديث قد تمايزت آنذاك حقولا منفصلة، ولذلك كان أكثر المشاركين فيها محدّثين وفقهاء ومقرئين.

وقد تفجرت أحداث هذه الثورة في العراق وتحديدا في مصريْه الكبيرين البصرة والكوفة، فخرج كثيرٌ من علمائهما ثائرين مع القائد العسكري عبد الرحمن بن الأشعث الكندي (ت 84هـ) لـ"خلع عبد الملك ونائبه {على العراق الحجاج}...، فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين"؛ على ما ذكره الإمام ابن كثير الذي يفيدنا بأن ابن الأشعث "سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومئة وعشرون ألف راجل". وقال أيضا: "كان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم".

وعن أسباب ثورة هؤلاء العلماء يقول الإمام الذهبيّ (ت 749هـ) في كتابه ‘سير أعلام النبلاء‘: "وقام معه ]= ابن الأشعث[ علماءُ وصلحاءُ لله تعالى لِمَا انتهك الحجاجُ من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته".
*ويحدد المؤرخ المحدِّث خليفة بن خياط (ت 240هـ) عددَ العلماء في هذا الجيش بقوله -رواية عن التابعي مالك بن دينار (ت 127هـ)- إنه "خرج مع ابن الأشعث خمسمئة من القرّاء كلهم يرون القتال".*

سيطر العلماء الثوار على البصرة والكوفة، وطردوا منهما الإدارة الأموية بزعامة الحجاج وكادوا أن ينتزعوا منه العراق بأجمعه، بعد أن زلزلوا الحُكم الأمويّ زلزالًا عظيمًا عبر سلسلة من المعارك كانت فيها "الدائرة {= الغلبة} لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام"؛ كما ذكر ابن كثير.

*ومن مشاهير أئمة المحدّثين الذين خرجوا في ثورة ابن الأشعث: الصحابيّ الجليل أنسُ بن مالك (ت 93هـ) الذي يُعدّ في الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد خرج مع جُملة علماء ومحدثي التابعين الذين ثاروا مع ابن الأشعث وكان عمره قد جاوز التسعين.*

وكان ضمن الثائرين أيضا ابنه النّضر بن أنس وهو الآخر من أهل الحديث؛ ومنهم محمّد بن سعد بن أبي وقاص ابن الصحابيّ المشهور، وقد روى له البخاريّ ومسلم وأكثرُ المصنّفين في الحديث. وقال فيه الذهبيّ: "الإمام الثقة...، روى جُملة صالحة من العلم، ثم كان ممن قام على الحجاج مع ابن الأشعث، فأُسِر يوم [معركة] دير الجماجم فقتله الحجاج".

ومنهم أبو عبيدة ابن الصحابيّ المشهور عبد الله بن مسعود؛ ومجاهد بن جبر (ت 104هـ) شيخ القراء وإمام المفسرين والمحدثين؛ والإمام الكبير عمرو بن دينار (ت 126هـ) "شيخُ الحَرم في زمانه"؛ والقاضي عامر بن شراحيل الشَّعبي (ت 106هـ)؛ والفقيه المشهور الحافظ المحدّث عبد الرحمن ابن أبي ليلى؛ ومنهم الإمام الكبير الصادع بالحقّ سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج لاحقا سنة 95هـ في قصة مشهورة. *وكلّ من له علاقةٌ بالحديث وكتب الحديث يعرفُ وزن هذه الأسماء في طبقات أعلام الحديث.*

*وما من هؤلاء أحدٌ إلا روى له أصحاب الكتب الستة (البخاريّ ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وغيرهم من مصنفي الحديث، وأحاديثهم مستفيضةٌ فيها، وأسماؤهم تلمعُ في سلاسل الذهب من الأسانيد، مذكِّرة بهم وبفقههم وببسالتهم، وأكثرُهم قضوا شهداء في هذه الثورة على الظلم.*

من صور استبسالهم في معارك الثورة مقولة قائد "القرّاء" في الميدان جَبَلَة بن زَحْرٍ الجعفي التي رواها عنه الإمام ابن كثير: "أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم؛ فقاتلوا عن دينكم ودنياكم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك، وقال الشعبي: *قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة"*،
*ويتضح من هذا أن دوافع منازلة الطغيان السياسي وإزالة الحيف الاجتماعي كانت المحرك الأساسي لهؤلاء العلماء المحدثين في ثوراتهم التي أوقدوا نارها وخاضوا غمارها.*

وقد كانت موقعة دير الجماجم سنة 83هـ خاتمة سلسلة معارك طويلة بدأت عام 81هـ وقيل إنّها جاوزت ثمانين موقعة، وكان النصرُ في أغلبها حليفا لجيش القرّاء وابن الأشعث، حتى هُزموا الهزيمة الحاسمة في دير الجماجم فانتهت بذلك ثورتُهم.


التعليقات